
في عدد جريدة «اللواء» البيروتية الصادر بتاريخ 30 تموز/ يوليو 2020 كتب نائب رئيس جمعية «تراثنا بيروت» الأستاذ زياد دندن تحت عنوان: «تراث بيروت الضارب في أعماق التاريخ» ما يلي:
«أمّا وقد صدر ترخيص جمعيّة «تراثنا بيروت» فماذا أنتم فاعلون يا أهل الحلّ والعقد من أبناء بيروت، يا من تتصدّرون المراكز الرسميّة باسم بيروت وأهلها وتاريخها العريق، ماذا أنتم فاعلون لسنّ القوانين وإصدار القرارات التي من شأنها صون تراث بيروت وتنميّة مخزونها والحفاظ على هويّتها الحضاريّة؟ ماذا أنتم فاعلون يا حقوقيّي بيروت للمحافظة على حقّ المدينة الديموغرافي وهي التي دفعت ضرائب كلّ حروب الآخرين على أرضها الطيّبة؟ ماذا أنتم فاعلون لاسترداد طابع العيش الوطني الواحد بين أبنائها وأهلها وساكنيها؟ ماذا أنتم فاعلون يا مثقفي بيروت وفنانيها لإبراز تراثها ومخزونها الثقافي برجالاته الرائدين ونسائه الرائدات في كل مجال؟ ماذا أنتم فاعلون يا أثرياء بيروت والميسورين من أبنائها للتكافل في دعم مشروعات المحافظة على هويّة المدينة المعمارية، وقد تقلّص عدد المباني التراثيّة والقديمة فيها إلى عشرات المباني واجتاح المدينة جشع تجار العمار – وليس الإعمار – لأن الإعمار هو كلّ ما يعيد المندثر إلى الحياة من جديد».
هذا النداء – إن صحّ التعبير – من الأستاذ دندن، لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة تراكم عدة عوامل خبيثة إستهدفت ولا تزال تستهدف تراث المدينة، وبالتالي هويتها ونسيجها الاجتماعي، وهو أمر تنبّهنا له قبل تسجيل الجمعية بعدة سنوات فقمنا بتشكيل تجمع من المهتمين والباحثين والمؤرخين أطلق عليه إسم «مجموعة تراث بيروت»، فأقمنا في السادس والعشرين من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2018 مبادرة «يوم تراث بيروت» في حدث كبير جرى في فيلا ليندا سرسق بمنطقة الأشرفية تبعه مناسبات مماثلة في كل عام وإلى يومنا هذا تهدف إلى جعل هذا التاريخ السنوي يوماً وطنياً لتراث بيروت.
ورغم ذلك استمر التعدّي على التراث المادي البيروتي نتيجة عوامل ثلاثة هي: الجهل والإهمال المتعمّد والتدخّلات السياسية. والأمثلة أكثر من أن تسعها مقالة واحدة، وإليكم بعضها:
– ساحة البرج (الشهداء) وما أصابها من إهمال وتخلٍّ مقصود رغم أنها تحكي تاريخ مدينة منذ عقود، بل قرون.
– السرايا الصغيرة (مقر الحكومة القديم) التي كانت آية في الجمال العمراني. بُنيت عام 1881 وهدّمت عام 1950 بحجج واهية لا تخفى على لبيب.
– الأسواق القديمة وما كانت تحويه من عمارة تراثية أذكر منها السبيل الأندلسي كمثال.
– زوايا بيروت الدينية القديمة التي وصل عددها إلى مل يقارب الثلاثين زاوية. هدّمت كلّها.
– الإهمال المتعمد للمباني التراثية بسبب عدم وجود قانون واضح يحميها ويعوض على مالكيها، ولأسباب يتدخل فيها رأس المال المتسلط من قبل بعض السياسيين والمقاولين.
– التعدّي السافر على الأملاك العامة. مثلاً كما في محلتي الروشة (حجب منظر صخرة الروشة ومحيطها البحري عن عيون المارة) والرملة البيضاء (إقامة مشاريع ومراكز سياحية بطريقة مخالفة للقانون). كلها نتيجة عوامل سياسية معروفة يستفيد منها «الزعيم» وبطانته على حساب الشعب وحقه الطبيعي المنصوص عنه صراحة في الدستور والقوانين.
– إهمال غير مبرر للمساحات الخضراء التي تعتبر متنفساً للمدينة وأهلها، وقضية حديقة المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد الضائعة بين مجلس الإنماء والإعمار والمجلس البلدي خير مثال. فما أكثر المجالس فيك يا بيروت وما أقل الإنجازات!
هذا غيض من فيض، وللمزيد يمكن الرجوع إلى منشورات «قضايا تراثية بيروتية» على شبكة جمعية تراثنا بيروت.
لسوء الحظ، من الشائع تدمير التراث، خاصة عند وجود سلطة فاشلة وفاسدة سيما خلال فترات الحروب أو اضطراب الأوضاع الأمنية أو الكيدية السياسية في مجتمع متعدد الطوائف والمذاهب. وعلى الرغم من وجود قوانين محلّية لحماية التراث الثقافي في لبنان، إلا أنها تبقى منقوصة أو غير واضحة، وفي أغلب الأحيان تفصّل على قياس بعض السياسيين والمقاولين، أي لمصلحة رأس المال المتسلط ولو بطريقة مبطنة وخادعة. من هذا المنطلق تبرز أهمية توعية المواطن وخاصة الجيل الجديد أن تراثهم في خطر باعتبار أنهم المستقبل الواعد للوطن، وحينئذٍ سيشعرون أنهم يريدون المساعدة في الحفاظ على هذا الإرث. لا شك أنه عمل مهم عندما تكون قادراً على الدفاع عما تعتقد أنه صحيح، وهذا ما سيمكّنهم من الشعور بالعاطفة تجاه ثقافتهم مما يعني تواجد المزيد من الأشخاص للمساعدة في ضمان حماية الآثار والتراث الثقافي الطبيعي لنقله ناصعاً وصادقاً وخالصاً للأجيال القادمة. إن فكرة وجود شيء مهم بالنسبة لك يتم تدميره من قبل جهة تريد أن تجردك من كل ما تحبه بما فيه هويتك، هي فكرة مرعبة للغاية يعاني من تبعاتها أكثر المواطنين خاصة في العاصمة بيروت والفيحاء طرابلس وغيرها من مدن لبنان. ولا شك أن الوعي لأهمية التراث في تعزيز المناعة الوطنية سيُشعر من يدركون أهمية تراثهم الثقافي بالحاجة إلى حمايته والتأكد من استمراره من أجل هوية من يلينا من أجيال.
تراثنا هويتنا، فلنعمل معاً لحمايته وتحفيز الناشئة لاستيعاب ضرورة أهميته، فهو ضمانة لتعزيز المناعة الوطنية نحو مستقبل أفضل.
بعد أن «وصلت الموس إلى الرقبة» هل هناك من يُنكر ضرورة أن تصبح المبادرة مناسبة رسمية من خلال أن يكون يوم 26 نوفمبر من كل عام هو «اليوم الوطني لتراث بيروت»؟
*مؤسس/ رئيس جمعية تراثنا بيروت