
“عتالو السل”.. شهرتهم من شهرة سوق “النورية”، فهم كانوا جزءاً أساسياً من منظومة السوق، لا يستغنى عنهم، نظراً لدورهم المكمّل لعملية البيع والشراء في السوق، الذي من دونهم تكون خدماته منقوصة! فهم كانوا في زمن الخير والعز- قبل الحرب التي دمرت وسط بيروت التجاري- بمثابة عمال “الديليفري” في عصرنا الحاضر، لكن التوصيل كان يتمّ بواسطة “السل”، بدلاً من الدراجة النارية، وكانوا معروفين بقوتهم البدنية وقدرتهم على التحمّل، يضعون على ظهورهم سلاً كبيراً من القش، يربطونه بحبل متين.
سوق “النورية”، كان مركزاً لتجمع بائعي الخضار والفاكهة بالمفرق، وهو عبارة عن ساحة ضيقة، تضم إضافة إلى المحلات ذات المواصفات الرسمية، بسطات خشبية، مغطاة بالشماسي أو قطع من القماش بما يشبه الخيم غير المنتظمة، منتشرة على إمتداد السوق، حيث كان أصحابها ينادون بصورة مستمرة على بضاعتهم بعبارات مسجعة ومنغمة بأصواتهم الجهورية التي يسمع صداها في أرجاء السوق، لشد إنتباه المارة وحثهم على الشراء، فتتداخل وتمتزج الأصوات، حتى تصبح أكثر نشاذاً وإلتباساً، وتحدث زحمة سمعية، تضاف إلى زحمة السوق من الناس.
وكانت المحلات والبسطات تتنافس فيما بينها على طريقة عرض وترتيب و”صف” ما تبيعه من أصناف الخضار والفاكهة بطريقة فنية داخل “السحاحير” (صناديق خشبية)، تجذب الناظرين، خصوصاً وأن المنافسة شديدة في السوق، الذي لم يكن يقفل أبوابه ليلاً ولا نهاراً، إذ كان أصحاب المحلات والبسطات والعاملون فيها يتناوبون على الوقوف فيها باستمرار، خصوصاً وأن البضائع كانت تصل إليه من سوق الجملة، الذي كان يعرف بسوق “المعلمين” أو سوق “الأرجنتين”…
كان السوق ذات الأرضية المتعرجة، المغطاة ببقايا الخضار والفاكهة غير الصالحة للبيع، التي من الممكن أن تعرض المارة للإنزلاق في حال عدم الأنتباه، شديد الإزدحام، في مختلف الأوقات، بسبب ضيقه من جهة، وإختناقه بكثافة الناس والمارة والبائعين.. وما كان يزيد من “عجقة” السوق الحمالون “عتالو السل” وبائعو أكياس الورق، التي كانت أعدادهم ربما تفوق أعداد الزبائن. فأينما كنت في السوق تراهم جماعات وفرادى، يصطدمون بهذا، ويدفشون ذاك، كلّ همهم التسابق من يصل إلى الزبون قبل الآخر… فكل زبون يدخل السوق لشراء إحتياجاته من الخضار والفاكهة، كان من الضروري أن يصطحب معه “عتال السل”، ليضع مشترياته فيه، بهدف إيصالها إما إلى سيارته، أو إلى منزله سيراً على الأقدام. فبمجرّد أن ينادي على أحدهم، حتى يتجمهر حوله ثلة منهم، فيحتار من يختار، وغالباً ما كان ذلك يتسبب بالعراك فيما بينهم، مستخدمين كلّ ما هو متاح أمامهم من سكاكين “ست تكات” وأوزان الميزان الحديدية، حتى تتدخل “الفرقة ١٦” لفض “المشكل” الدموي!
نختتم الحديث عن “عتال السل” بحادثة غير مؤكدة، كانت تتداولها الناس، حصلت مع أحد “عتالي السل” في شارع الصيفي، حيث كان يسير وسلته فاضية بطريقه إلى سوق الجملة، وإذا بأحد الأشخاص يسقط من على سطح إحدى البنايات ويقع داخل السلة، وينجو من الموت، أما حامل السلة فتوفي من قوة ضغط الوقعة التي سببها السقوط من البناية!
________
*باحث في التراث الشعبي/ جمعية تراثنا بيروت